أبي هلال العسكري
21
الصناعتين ، الكتابة والشعر
قصّر . ومنهم من إذا كتب أحسن ، وإذا حاور وأملى أساء . ومنهم من يحسن في جميع هذه الحالات . ومنهم من يسيء فيها كلّها . فأحسن حالات المسئ الإمساك ، وأحسن حالات المحسن التوسّط ؛ فإنّ الإكثار يورث الإملال ، وقلّما ينجو صاحبه من الزّلل والعيب والخطل « 1 » . وليس ينبغي للمحسن في أحد هذه الفنون المسئ في غيرها أن يتجاوز ما هو محسن فيه إلى ما هو مسئ فيه ؛ فإن اضطر في بعض الأحوال إلى تجاوزه فخير سبله فيه قصد الاختصار ، وتجنّب الإكثار والإهذار ؛ ليقلّ السقط في كلامه ، ولا يكثر العيب في منطقه . وقيل لابن المقفّع : لم لا تطيل القصائد ؟ قال : لو أطلنها عرف صاحبها . يريد أن المحدث يتشبّه بالقديم في القليل من الكلام ، فإذا أطال اختلّ ، فعرف أنه كلام مولّد . على أن السابق في ميادين البلاغة إذا أكثر سقط ، فكيف المقصّر عن غايتها ، والمتخلّف عن أمدها ؟ ومن تمام آلات البلاغة التوسّع في معرفة العربية ، ووجوه الاستعمال لها ؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها ، ومتخيّرها ، ورديئها ؛ ومعرفة المقامات ، وما يصلح في كل واحد منها من الكلام ، إلى غير ذلك مما سنذكره في الباب الثاني عند ذكر صنعة الكلام إن شاء اللّه . وقوله « 2 » : وهو « أن يكون الخطيب رابط الجأش » ساكن النفس جدا ؛ لأنّ الحيرة والدّهش « 3 » يورثان الحبسة والحصر « 4 » ؛ وهما سبب الإرتاج والإجبال « 5 » .
--> ( 1 ) الخطل : الخطأ . ( 2 ) أي حكيم الهند ص 19 ، وعبارته هناك : « وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش » . ( 3 ) الدهش : التحير . ( 4 ) الحبسة : تعذر الكلام عند إرادته . والحصر : العى في المنطق . ( 5 ) أرتج عليه : استغلق عليه الكلام . وأجبل الشاعر : صعب عليه القول .